ابن الزيات
305
التشوف إلى رجال التصوف
عجلت عقوبتهم ! ثم قال : هؤلاء الذين فعلوا بي ما رأيت . فسألت عن ذلك . فقيل لي : إن أبا عبد اللّه خرج بالليل ؛ فقبض عليه حرس السوق وظنوا أنه سارق ، فأوجعوه ضربا إلى أن قيل : هذا ولى من أولياء اللّه تعالى فخلوا عنه ! . وحدثني يحيى بن عبد الرحمن ، عن محمد بن الكرى الخياط خادم أبى عبد اللّه محمد بن حسان قال : لما عزم أبو عبد اللّه على ركوب البحر إلى المشرق جاءه رؤساء المركب يرغبونه أن يركب معهم . فقال لهم : لا أركب عند واحد منكم إلا على شرط أن تحملوا معي كل من يريد أن يركب من المساكين ممن يتوجه إلى مكة كرمها اللّه وتزودوهم ولا تأخذوا منهم أجرا . فأجابوه إلى ذلك . فلما خرج بساحل الإسكندرية حفر حفرة في الرمل ودخل فيها ورمى مرقعته في البحر . فمر به رجل من الإسكندرية فرمى عليه ملحفة جديدة ، فلبسها وقام فدخل الإسكندرية . وحدثني عبد الرحمن بن محمد قال : أخبرني عبدون بن وادفل قال : بات عندي أبو عبد اللّه بن حسان وكان إذا بات في مكان انفرد في بيت خال . فلما كان في جوف الليل ، سمعت صوت شئ سقط . فقمت إلى البيت الذي بات فيه ابن حسان فإذا به قد سقط نصفه . فدخلت إليه فوجدته قائما يصلى وكادت الغبرة تحول بيني وبينه . فناديته مرات ، فلما سمعني أوجز في صلاته وسلم وما شعر بالهدم . فقلت له : ما شعرت بهذا الهدم ؟ فحينئذ شعر به . قال عبدون : ودخلت عليه وهو ببجاية فقال لي : بت ليلة عندي . فقالت له أمه : أتريد أن يبيت الليلة جائعا ؟ فقال لها : لعله يأتيه رزقه . فلما صليت المغرب أتيته فقالت له أمه : هذا الذي ذكرت لك . فقال لها : لن يتركه اللّه دون رزق . فلبث ساعة . ثم سمعت قرع الباب ، فإذا مملوكة جاءت بطاجن فيه لحم الدجاج وعليه رغفان من الدرمك . فقدمها إلى وقال لي : كل . فقلت له : كل معي . فقال لي : أما أنا فلا آكل . ثم أكلت وحدى . فلما كان من الغد جاء مولى المملوكة التي جاءتنا بالدجاج والرغفان فقال لأبى عبد اللّه : ما أخرنى عن الوصول إليك البارحة إلا أنى أمرت المملوكة أن تصنع لك ذلك الطعام فلم تصنعه ، فضربتها عليه ، فصنعته وجاءتك به . قال عبدون : فحينئذ علمت أنه إنما امتنع من الأكل لضربه لها عليه .